أحمد بن محمد المقري التلمساني
135
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
دعوة سلطان مثل المعتصم ، فصبر السميسر إلى أن ركب السلطان متوجّها إلى الدعوة ، فوقف له في الطريق ، فلمّا حاذاه رفع صوته بقوله : [ البسيط ] يا أيها الملك الميمون طائره * ومن لذي مأتم في وجهه عرس لا تفرسنّ طعاما عند غيركم * إنّ الأسود على المأكول تفترس فقال المعتصم : صدق واللّه ، ورجع من الطريق ، وفسد على الرجل ما كان عمله . [ عباد بن الحريش ورجال من سراة أصبهان ] ونظير هذه الحكاية « 1 » أن عبّاد بن الحريش كان قد مدح رجلا من كبار أصبهان أرباب الضيع والأملاك والتبع الكثير ، فمطله بالجائزة ، ثم أجازه بما لم يرضه ، فردّه عليه ، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة غرم عليها ألوف دنانير كثيرة لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي على أن يجيء إليه من الكرج ، ووصل أبو دلف ، فلمّا وقعت عين عبّاد عليه وهو يساير بعض خواصّه أومأ إلى ذلك السائر وأنشد بأعلى صوته : [ مجزوء الخفيف ] قل له يا فديته * قول عبّاد : ذا سمج جئت في ألف فارس * لغداء من الكرج ما على النّفس بعد ذا * في الدناءات من حرج فقال أبو دلف ، وكان أخوف الناس من شاعر : صدق واللّه ، أجيء من الكرج إلى أصبهان حتى أتغدّى بها ؟ واللّه ما بعد هذا في دناءة النفس من شيء . ثم رجع من طريقه ، وفسد على الرجل كل ما غرمه ، وعرف من أين أتي . وتخوف أن يعود عبّاد عليه بشرّ منها ، فسيّر إليه جائزة سنيّة مع جماعة من أصحابه ، فاجتمعوا به ، وسألوه فيه ، وفي قبول الجائزة ، فلم يقبل الجائزة ، ثم أنشد بديها : [ السريع ] وهبت يا قوم لكم عرضه فقالوا : جزاك اللّه تعالى خيرا ! فقال : كرامة للشّعر لا للفتى لأنه أبخل من ذرّة * على الذي تجمعه في الشّتا انتهى . وذكر أبو الصّلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي ما معناه « 2 » : أنه عزم بمصر هو ورفقة له
--> ( 1 ) انظر البدائع ج 2 ، ص 149 . ( 2 ) انظر بدائع البداءة ج ، ص 151 .